ملل اقتصادي
كان يجلس بجانبي في المقهى، الذي كنت أتابع فيه المباراة النهائية لكأس العالم بين إسبانيا وهولندا، وخلافاً لكل الحاضرين، الذين كانوا يرفعون أصواتهم بالصياح عند ضياع الهجمة، أو انفراد لاعب بالحارس، لمحته فقط على عجالة كان مستغرقاً في جهاز «البلاك بيري»، الذي يحمله في يده، ومشغولاً مع هذا الجهاز، ورغم الصياح والأصوات العالية، كنت استغرب كيف يرد على المكالمات، وهو جالس في مكانه، مرة يضع يده على أذنه الأخرى، ومرة يخفض رأسه إلى الأسفل، أو يلف برقبته إلى الخلف، لعله يسمع صوت المتصل، رمقني بعينه، وعرف أنني أراقب تحركاته، مع أن الجميع مشغول في متابعة المباراة النهائية، نادى عامل المقهى، وطلب منه أن يحضر له كوباً من القهوة، فرد عليه العامل «ياعمي اشرب الأول الكوب بتاعك، وبعدين أطلب، وأنت عارف أن كل الكاسات مشغولة مع الزبائن»، في رشفة واحدة أنهى شرب القهوة، وسلم الكأس إلى العامل، وطلب منه أن يحضر له قهوة أخرى.
في استراحة ما بين الشوطين، التفت إلي وقال، «تصدق بالله إن هذه المباريات ألهتنا قليلاً وأشغلتنا عن المشاكل، لا هم لنا سوى هذه المجنونة، ولا تصدق من يقول لك إنه لا يحب كرة القدم أو لا يشجع أي نادي، قد لا تشجعها، ولكن تتابعها وتحب أن تراها، وتشاهد الحماس الموجود من قبل الجماهير، على الأقل تجعلك بعيداً عن الهموم الاقتصادية، هل لاحظت كيف أنستنا الكرة حالة الملل، الذي نعيشه».
أمسكني من يدي، وخرج إلى الشارع وأشار بيده إلى عمارة سكنية تحت الإنشاء، قال لي «شوف من سنتين العمارة واقفة، ما انتهيت منها تعرف ليش»، سألته لماذا، قال لي «المقاول طفش ومشى»، اتفقت معه على سعر، وبعد أن وقعت معه ارتفعت أسعار مواد البناء، والأداوات الصحية وغيرها، فاختلفنا في السعر، فعدلت العقد معه مرتين، ومع ذلك ترتفع الأسعار بدون ضوابط، فبدلاً من أن أطالبه باستكمال المشروع، هو يطلب مني مبلغاً إضافياً، رغم أن البناء لم يكتمل، وفي طريق عودتنا إلى المقهى مرة أخرى لمشاهدة الشوط الثاني، قال لي «مثل ما انت شايف، مو بس البناء حتى الأسهم، شكلنا بنصحى بعد كأس العالم نلتفت لهمومنا، بعد أن نسيناها لمدة شهر»، قالها لي بحرقة، «والله ملل، السوق طايح، والناس ماصار عندها فلوس، أحس أن البلد نايمة».
كلمة «الملل» سمعتها في أكثر من دولة خليجية خلال أقل من شهرين، وقلت ربما للصيف دور خاص، وأن دول الخليج تتعامد عليها أشعة الشمس في الصيف، وتجعلها في لهيب ساخن، أشبه بسخونة القضايا الموجودة فيها، ولكن دعونا نسأل هل بالفعل تعاني دول الخليج من ملل اقتصادي، الحقيقة نعم، هناك حالة من التشتت الذهني والفكري لدى المواطن العادي، وأيضاً تساؤلات تجعله دائم التفكير، كيف لم تتمكن هذه الدول من الالتفات إلى مشاريع تنموية، وخلق فرص عمل، وتحسين مستويات مواطنيها، حينما ارتفعت أسعار النفط في الأسواق العالمية، وبلغت في إحدى السنوات القريبة 147 دولاراً للبرميل، وحققت عوائد خيالية، تجاوزت تريليون و400 مليار دولار، خلال فترة انتعاش السوق، إلا أن هذه الزيادات لم تنعكس على أرض الواقع، ويمكن القول إنها حققت نمواً حقيقياً في اقتصاداتها، فمعظم المشروعات، التي نفذت كانت معتمدة من سنوات، ومبرمج تنفيذها، إلا أنه في السنوات الأخيرة هناك ركود في الحركة الاقتصادية، ومشروعات متوقفة، وتسريح كبير للعمال والموظفين، وشركات أغلقت، وإذا لم تصدقوا أنزلوا إلى المقاهي ستجدون أن عدد الذين يجلسون فيها قد ارتفع، والساعات التي يقضونها طويلة، ومن تحويلات البنوك المحلية إلى الخارج، والتي تراجعت بنحو 35 بالمئة، إلى هذا الحد الاقتصاد الخليجي «حساس» يصاب بالإنفلونزا، حتى وإن كان المرض المعدي قادم من بعيد، وبسرعة يصاب ويبقى طويلاً، متأثراً على فراش المرض، يقول لي خبير عقاري، «إن أفضل فرصة لشراء العقار هو الوقت الراهن، فالناس تبيع بأسعار منخفضة، بحثاً عن سيولة، أو لتسديد قروض أو ديون، أما سوق الأسهم فينصحني بعدم الالتفات لها، أو حتى التفكير في العودة إليها، فهو كما يقول، «أصبحت ملعباً للكبار فقط».
كيف لم تتمكن الحكومات الخليجية من وضع خطة طوارئ اقتصادية تمكنها من مواجهة أي أزمة، أزمة الرهن العقاري، وانهيار أسواق الأسهم الخليجية، وتوقف العديد من المشروعات الحكومية، وخروج الكثير من المستثمرين، كلها مؤشرات على أن دول الخليج لا تمتلك خطط طوارئ علمية مدروسة، فهل يمكن أن تخبروني كيف تمت الموافقة على زيادة 20 فلساً للتر البنزين في دولة الإمارات العربية المتحدة، تلك الزيادة، التي بدأ سريانها منذ أول من أمس، وعلى أي أساس تم اختيار التوقيت، الكثير من الناس فقدوا وظائفهم، والكثير منهم انخفضت مرتباتهم، فيما الغالبية العظمى لم ترتفع أجورهم من سنوات، مثلما تدعم الدول السلع الرئيسة والأساسية، لماذا لم تتخذ قرار تحمل هذه الزيادة، وتركت مسؤولية زيادة أسعار البنزين للشركات بدواعي تحرير السوق، بالتأكيد هذه الزيادة ستصاحبها تبعات في ارتفاع تكاليف الشحن والنقل والمواصلات، وربما لحقتها بالإيجارات وأقساط الدراسة، وأعتقد أنه من المخجل أن يعيش المواطن في دول الخليج وحتى المقيمين فيها، حياة بائسة يتطلب منه أن يضع يده على قلبه في كل هزة اقتصادية سمع بها في دول العالم، لأن تبعاتها ستصل إلى منزله.
وكل هذه التبعات قد تفقد المنطقة ميزتها التنافسية، سواءً في فرص الاستثمار، أو من ناحية خلق فرص عمل.



