رتـــــــــوش
كيف تُحافظ على صورة وطن.. دون أن تكذب ودون أن تفضح!!
خالد وديفيد أصدقاء.. خالد يُخبر ديفيد في كل لحظة يلتقيان فيها أن بلاده نار ودمار، وألف سجن ومعتقل للحريات، وأنها مصدر الإرهاب، وأن الفساد يستشرى ويمضي كقطارٍ بالٍ في عصر النفاثات، و أن التعليم طامة والتنمية أكذوبة وأن سوق العقار لا يختلف عن سوق الأسهم وعن سوق الخضار، لا ضوابط ولا قيود ولا أمان!!
قول له أكثر، يُفضفض.. يحكي في آسى كيف أن الخدمات متردية، وأن المرأة مذبوحة، ومعلقة على الأسوار.. هذا غير المطبات والحفر الرطوبة ورائحة المجاري الطافحة في كل مكان.. وأن كل ذلك يحدث والمجتمع صامت وأنه لا بصيص نور يلوح في الأفق.. وأن الدنيا سواد في سواد!!
سافر ديفيد أبو عيون زرقاء وقد حمل في حقيبة سفرهِ صورة صديقه الأمين وذاكرته المشبعة بالانكسار والهموم، مصراً على إيصال الأمانة المحملة على عاتقه، وفعلاً.. فما أن وصل ديفيد عائداً إلى بلاده، إذ به يُخبر أصدقائه عن حبيبه خالد، ويكتب مقالاً فلقاءاً، وقد أسهب قليلاً أو ربما كثيراً وثرثر ، مضيفاً بعض البهارات لزوم الطبخة الشيقة.. لُتصبح مقابلته كتاباً وبرنامجاً وعنواناً رناناً يليق بالموجة العالمية لجمهور متشوق، متحمس يريد بعضاً من إثارة كي يستمتع ويتسلّى!!
هكذا اكتملت الدائرة، وأصبحت صورة الوطن ممسحة على الملأ… اضرب الرقم، كم خالد وكم ديفيد ، وستعرف الطامة .. أوى لازلنا نسأل كيف يُمكننا أن نُحسّن من صورة وطن ونبني سمعة بلد ونعمل تحت مظلة الأمل؟!!
مجرد وقفة مع حلقة مكررة مما يحدث على أرض الواقع.. ماذا صنع خالد لبلاده سوى أن عرّاها في ميدان الأمم، ماذا يا ترى قدّم خالد من خلال دموعه وآهاته المثيرة للغثيان؟!!
لذلك فحين نُطالب اليوم بنفث روح التفاؤل، وتحسين الصورة أمام الآخر لا نُطالب بالكذب أو التدليس، فالزرافة التي تدفن رأسها في الأرض لم تغُير يوماً الحقيقة، والرسّام الحالم الذي تولد على أصابعه أجمل المشاهد، بجعٌ وبحيرات وربيع لن يصنع وطناً أجمل، سيبقى القطب الشمالي قارصاً جامداً بلا قلب ولن تقدر ألف ريشة من أن ننتزع المُلك من شتاءٍ متجبر!!
لا بل ألف لا للتزييف، لكن الفطنة هي أن تعرف على أي الزوايا تقع عينيك، وأي الأركان ستقف معلناً خوض غمار التغيير في معركة الأيام!! لا نُنكر واقعنا وتردّي أحوالنا، لكن كيف نصنع من بركان غضبنا طاقة، كيف تبقى الغيرة فينا على صورة بلادنا، فنمنع نفسنا من الكلام باستهزاء ونستشعر أننا إن فعلنا، فأننا كأننا استبحنا أعراضنا ونشرنا فضائحنا أمام كل عين!!
يجب أن نُدرك أن من يشوه صورة بلادنا هو أبنائها، نحن من يُساهم في عملية التشويه المريرة، ونحن من يُمسك بالمشرط والمقص ويزيد من البثور والحروق وينكأ الجروح في برودٍ.. نحن من نخط بأقلامنا ألف قصة إحباط ذات لونٍ واحد لا يتغير فتكون النتيجة كارثية!! نحن الذين جعل من أحوالنا أكثر قتامة، نحن بيأسنا من صب الكأس في جوف الأمل فأرداه قتيلاً، ونحن من دس اللغم خِلسةً تحت وسادات أطفالنا، وفي شرايين قلوب الأجيال القادمة الطامحة للتغيير فأحلناها أشلاءً على قارعة الطريق!!
لا داعِ أن نستدعي أصدقائنا، لقضاء سهرة على ضفاف بحيرة المسك، من الممكن أن نقضي المساء نتجول في الصحراء عازمين على غدٍ جديد تُقام أركانه بسواعدنا الفتية.. من الممكن أن نزور أحلامنا، ونعمل من أجلها.. أن نُناقش بصوتٍ عالٍ كل ما يجول بخواطرنا مقرين بوجود سوء تخطيط وضعف كوادر، لكن الأجمل أن نتحدى العوائق ونعمل سوياً على حرقها ونفث دخانها بعيداً عن سماءنا!! هي نظرتنا للأشياء أولاً وأخيراً، هي المبادئ التي تعيش فينا..
كي تًحسن صورة بلد لا تحتاج لألف جمعية أو لجنة تُحاول أن ترسم الصورة وتُجيد فن الحوار مع الآخر… الأهم أن تزرع في وجدان وقلب كل فرد معنى الحب والولاء.. معنى الانتقاد من أجل غدٍ أفضل.. معنى البسمة رغم الألم وغصته، وكيف أنها ستولد في عز الألم، علّ طائر الأمل أستقر على جبيننا للأبد..
هي الرتوش التي تصنع فرقاً، فإن كانت على الوجوه كانت زيفاً وبهتاناً.. وأماّ إن كانت على جدار القلب بقيت رمزاً ووقوداً لقصة كفاحٍ عتيدة..
فليصمت خالد وليبقّ ديفيد يُشكك ويصرخ .. بالعمل والحب وبالإخلاص تولد قصة انتصار جديدة.
دمتم ودام الوطن بألف خير..




صاحب التعليق: benbrahim | يوم 29 أغسطس, 2010 | الساعة 4:09 م
لو أن بلادنا ليست نارا و لا دمارا، و لو ملم يكن هناك ألف سجن و معتقل للحريات، و لو أن الفساد لا يستشرى، و لو أن التعليم لم يكن فعلا طامة والتنمية لم تكن أكذوبة .
لو كانت الخدمات جيدة، والرجل و المرأة لم يكونا مذبوحين سوا بسواء، و لم تكن هناك مطبات ولا حفر و لا رطوبة و لا وجود لرائحة المجاري الطافحة في كل مكان.. و لو أن كل ذلك لا يحدث و بصيص نور يلوح في الأفق..
فالمطالبة اليوم بتحسين الصورة أمام الآخر لا بد أن نحسن صورتنا أمام أنفسنا و إلا المطالبة بنفث روح التفاؤل كذب و تدليس،
نعم لا بل ألف لا للتزييف، فلا يجب علينا أن نُنكر واقعنا وتردّي أحوالنا و لا نمنع أنفسنا من الكلام و يجب علينا أن لا نشعر بأننا إن فعلنا فكأننا استبحنا أعراضنا لأنها مستباحة فعلا، و إلا كنا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال.
فبدلا من لوم خالد أو غيره من أبناء الوطن، لم لا نتكلم فعلا عمن أساء الى صورة الوطن فجعلها سوداوية في أعين أبناءه قبل أعين الغرباء.
من الذي دس السم غي كأس الأمل فأرداه قتيلا؟، من الذي منعنا من أن نزور أحلامنا، ونعمل من أجلها؟.. من الذي يأبى أن نُناقش بصوتٍ عالٍ كل ما يجول بخواطرنا و ننتقد سوء التخطيط وضعف الكوادر.
فليتكلم خالد يُشكك ويصرخ عسى أن يسمعه هذا الذي منعه من كل ذالك فربما يسعى لتحسين الصورة فعلا و ليس لوضع رتوشات أكثر عليها حتى يصمت ديفيد لأنه حينئذ لن يكون لديه ما يسمعه من خالد
بلغ عن هذا التعليق إن كان مسيئاً
صاحب التعليق: Nizar | يوم 23 يوليو, 2010 | الساعة 6:00 م
أمثال خالد و ديفيد على كثرة ، فخالد هو كل هو مواطن في الوطن ، يبيح بما في خلده و يعكس منظوره من خلال تصرفاته العامة أكثر من الخاصة. و أمثال ديفيد هو كل مغترب حل ليعيش وسطنا ليرى قبل أن يسمع ما سيقوله خالد. و لذا أنا أقرأ من خلال كلامك الحث على التفكير الايجابي و العمل لرقي الوطن و المعاملة الحسنة في كل مكان، إبتداء من الداخل و قبل أن يسـافر ديفيد.
مع أطيب التحيات.
نزار عبداللطيف
بلغ عن هذا التعليق إن كان مسيئاً