معرض الكتاب بين “الضحالة والإرتياب”
بسبب شغفي للقرائة وإقتناء المتميز من الكتب زرت معظم معارض الكتاب العربية ومعرض الكتاب السعودي كان له نصيب الأسد “مع الأسف”، كون معرضنا أقرب للمتاحف الأثرية ومخازن البيوت التي إما تكون في السطوح أو تحت الدرج، فمعرضنا “اللهم لا حسد” يشتهر بعرض القديم من الكتب، وأقصد بقديم هنا أن معظم المطبوعات قد عرضت في عروض سابقة منها ماهو قبل سنوات.
والمعروض من الكتب لا يرقى للتثقيف ولا يعد ضمن الكتب التي تترك أثرا إيجابيا في عقلك إلا ما ندر، ومعرض الكتاب أصبح يساعد وبشكل مباشر بعض دور النشر التي وجدت فيه وسيلة فعالة للتخلص من كميات لكتب قديمة قد تحللت صفحاتها وليس هذا فقط بل أنها عوضت بعض خسائرها في هذه الكتب القديمة بتغيير أسعارها لأرقام غير منطقية وتجدها أغلى من سعرها الحقيقي في بعض المكتبات.
«من هم المهتمين بمعرض الكتاب؟»
معرضنا معرض مختلف عن باقي معارض العالم فهو مختلف في الشكل والطعم والرائحة، تجد فيه بعض الهيئات والجهات متنفسا عظيما لممارسة أعمالها وأهدافها الغريبة والمستهجنة وكأنها تنتظر هذا المعرض بفارغ الصبر حتى تسجل حضورها ومراقبتها لمرتادي المعرض لتسجيل محاضر الإختلاط والتهجم على الكتاب والكتب لفظيا وبدنيا وتصنيفهم المعروف للكتاب والكتب بأن هذا علماني وذاك ليبرالي والأخر حداثي …الخ وجميعهم لا يسلموا من التكفير السافر، وكأن هذه الجهات لا تعترف بدور وزارة الثقافة والإعلام على أنها جهة الإختصاص الوحيدة التي لايسعها بدورها سوى الإذعان وغض الطرف عن ممارسات هذه الجهات مما يؤدي للتصادم المعروف والمشهور في كل سنة.
«معرضنا يوفر بيئة خصبة للجشعين الذين دخلوا عالم النشر للتكسب فقط!»
أصبح معرض الكتاب مرتعا لهؤلاء فضعف الرقابة على الأسعار وهوامش الربح التي بلغت 500٪ أدى لعزوف الكثيرين عن الشراء وأكتفوا بتسجيل أسماء الكتب لشرائها من المكتبات المحلية أو الدولية وبأرخص الأثمان، فقد أصبح معرض الكتاب بمثابة بسطة كبيرة داخل ميدان عام مع إختلاف واقع الأسعار المنطقي.
«ماهي نوعية الكتب داخل معرض الكتاب؟»
صنفت أنواع الكتب داخل المعرض كالتالي:
كتب الطبخ (وكأننا شعب عايش عشان ياكل من كثرة هذا النوع من الكتب)
قصص الأطفال (سخيفة ومملة وتخلوا من التشويق الذي عادة يبحث عنه الطفل)
كتب الشعر الفصيح والنبطي والقصص الرومنسية (ما أن ترى الكميات المهولة من هذا النوع حتى تعتقد أننا شعب حنون مرهف المشاعر)
الكتب العلمية (لا يزال يعرض من هذه الكتب البالية التي تحمل الكثير من الهراء مثل: مثلث برمودا وكهف الجن وأكبر حفرة في العالم وبعضها لا تزال تذكر أن المجموعة الشمسية تسع كواكب وقد وجدت كتاب يتحدث عن لغة الفورتران!)
الروايات (وكعهدي بها ركيكة وطويلة وهي نسخة طبق الأصل من مسلسلاتنا التلفيزيونية والإذاعية الممجوجة)
الكتب الدينية والشرعية (وهذا النوع هو الأكثر إنتشارا وعددا وكأن معرض الكتاب يقام في جزيرة نائية لا يدين أهلها بالإسلام فوجود هذه الكتب لتعريفهم بالدين الإسلامي، وأجدها الأخطر حيث أن بعضها يتطرق لمواضيع عميقة في العقيدة وبعضها يتحدث عن الولاء والبراء بأسلوب يشجع على التمرد على منهج وخط الدولة، وبعضها يحمل الكثير من الفتاوى المنفرة وأعتقد أن هذا النوع من الكتب لا يخضع لرقابة وزارة الثقافة والإعلام خجلا! وهناك كتب الدعاة الجدد والدعاة التائبين التي عادة تلقى إقبالا من فئة الشباب والمراهقين)
هذه بعض الكتب التي أستطعت أن أصنفها كونها العامل المشترك الأكبر في كل معرض كتاب يقام لدينا، ولا أنفي وجود بعض الكتب المفيدة ضمن التصنيف أعلاه لكتاب مميزين ولو أن هؤلاء أيضا يقعوا ضمن نطاق النادر، مع الأخذ بعين الإعتبار أنه لا وجود للكتب المترجمة حيث أن هذا النوع من الكتب ذا أهمية قصوى في التعرف على الحضارات والثقافات الأخرى التي تعيش معنا على نفس الكوكب، لكن مع الأسف خصوصيتنا وإنعزالية ثقافتنا قد أثرت سلبا على عقولنا والدليل على ذلك مخرجاتنا وممارساتنا وتناقضاتنا المعروفة.
«هل نحن شعب مثقف؟»
هذا في إعتقادي أهم وأخطر سؤال يمكن طرحه في هذا المجال، يُقال:”قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت” … نحن بلا منازع من أكثر الشعوب تناقضا، فتجد لدينا كم هائل من كتاب الرواية العاطفية ونجد أنفسنا الأكثر عنفا بجميع أنواعه، وتجد أننا من أكبر الدول المستوردة لقصص الأطفال ولدينا أكبر عدد من قنوات الأطفال على المستوى العربي وتجد أطفالنا الأكثر قبحا في التعامل وبر الوالدين والممارسات التعليمية، لدينا أكبر مخزون من علماء وكتب الدين والشريعة بجميع مجالاتها على مستوى العالم لكن هذا لم يمنع التشدد والتنطع والفتاوى الدموية والإستهتار واللامبالاة والبعد عن الثقافة والأخلاقيات الإسلامية الصحيحة، لدينا أكبر شريحة من الشعراء … الفصحى والنبطي والعامودي والأفقي والمعاناة والمأساة والمنقعر والمنبطح، مع ذلك يحملون جين الجلافة والجفاف العقلي وشراسة النقد ورعونة الطرح ونغذي العنصرية والقبلية بالشعر والقصائد …
هل نحن دولة تشجع على توسيع أفاق الأدب والأدباء وتسعى حقا نحو نشر ثقافة تعكس صورة حضارية؟
أعتقد أن أحداث مثل إحراق نادي الجوف الأدبي ورسائل التهديد بالقتل التي أرسلت من قبل إرهابيين مجهولين لرئيسه والمشادة التي حدثت بين مثقفان خلال إحدى الفعاليات الأدبية والتي وصلت إلى قسم الشرطة ومنه إلى المحاكم وغيرها من القصص التي شدتنا على صفحات الجرائد بطريقة ما تجيب على السؤال أعلاه، من السخرية بل ومن العار الثقافي أن نطلق على عواصمنا العربية “عاصمة الثقافة” لمجرد أن هذه الدول العربية تحتفل بهذا الإسم بعمل المهرجانات التي تستقطب لها المطربين والمطربات وعرض الرقصات والمأكولات الشعبية وإستضافة فرق الرقص لأجنبية.
«واقع الكتب الممنوعة الأليم»
يقال أن “كل ممنوع مرغوب”، وهي مقولة لا أراها منطقية ولا تعبر عن فطرة الإنسان الصحيحة، لكن أجد نفسي تميل لمقولة: “كل مرغوب ممنوع” … كيف؟ … أضرب لكم مثال: كتب الثقافة الجنسية من منظور إسلامي وأهميتها في تثقيف شريحة كبيرة من أفراد المجتمع وبجميع فئاته ذكورا وأناثا، لا نجدها ونفتقر لكتابها وتمنع لأسباب ومبررات واهية – فكيف يمكن لمجتمع أن يرقى من خلال الأسرة الناجحة ويحد من تفشي الرذيلة والعلاقات الزوجية الشاذة التي ملئت مجتمعنا في ظل جهله وظلمة عقله بمعارف الثقافة الجنسية!
شخصيا لست من مشجعي عرض الكتب والأحبار الصفراء والتي عادة تقوم على الفبركة والشائعات أو المساس بالدين والدولة بشكل تهكمي مقزز، فهذا لا أعتبره أدبا ولا ثقافة بل أقرب لخليط رائحته كريهة هدف كاتبه الوحيد هو المال، لكن إن أردنا منع هذه الأصناف من الكتب علينا شرح السبب بشفافية ووضوح ومنطق للمجتمع القارئ، لا أن نستخف بهم ونمنع لمجرد المنع فيتم خلط الصالح بالطالح بناء على أمر فردي شخصي خاص!
هو كأي منع تمارسه بعض الجهات الرسمية في الدولة هو قائم على تصرفات فردية وإختلاقات شخصية وإفتراض سوء النية، فلم يراعا فيه نظام أو قانون مكتوب ليتم العمل بموجبه دون تحريف أو تغيير حسب أهواء المسؤول، فهذه إحدى كوارث مجتمعنا المدني الذي يفتقر للكثير من الأنظمة المكتوبة، وأعتقد أنها تركت بهذا الشكل لغرض في النفس!
جميع ما سبق لا يبرهن ولا يعطي سببا منطقيا واحدا على أهمية تواجد “معرض للكتاب” لدينا، أما كون هدف قيام مثل هذا المعرض هو مجرد أن يقال عنا أننا نهتم بالثقافة والقراءة فقط أي لمجرد الإعلان وتصوير أنفسنا أمام العالم بهذا الشكل وليخرج ما يخرج من النتائج السلبية عندها أعتقد أننا بذلك قد أسئنا لأنفسنا ومجتمعنا وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، لذا أرى أمرين لا ثالث لهما:
أولا: بما أن ما يعرض في معرض الكتاب هو نفس ما يعرض على أرفف المكتبات، لذا أقترح أن يقتصر معرض الكتاب السنوي على دورية بين المكتبات الرئيسية المعروفة بمعنى أن تقوم على سبيل المثال مكتبة جرير بتنظيم معرض الكتاب لسنة معينة ومكتبة العبيكان تنظم المرض للسنة التالية وهكذا، على الأقل المنظم صاحب خبرة وفي نفس الوقت الكتب المعروضة مفسوحة مقدما من قبل الوزارة والأهم من ذلك أن هذه المكتبات سوف تعرض الكتب بأسعار مخفضة.
ثانيا: يتم وقف تنظيم معرض الكتاب وإلغائه إذا لم يتم الأخذ بالأمر الأول.
(بلغت نسبة الأمية بين الذكور في السعودية 7٪ وبين الإناث 20٪) – هناك تفاوت ملحوظ في المناهج وأساليب التعليم والكثير من جوانب الثقافة والأدب ومجالات التعاطي في هذا الصدد بين دول مجلس التعاون، فليس هناك أي تعاون يعكس الصورة الصحيحة لهذا المجلس! لذا نجد التباين الملحوظ والشاسع بين تنظيم معرض الكتاب في السعودية عنه في البحرين أو الإمارات … الخ





